ابن عربي

540

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

( 103 ) سورة العصر مكيّة [ سورة العصر ( 103 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ « . . . وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » الآية ] فينبغي للمؤمن أن يقبل من أخيه النصح والوصية ، فإن المؤمنين أهل إنصاف ، مطلبهم واحد ، مأمورون بذلك بقوله تعالى : « وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ » وقد أمرنا بالتعاون على البر والتقوى ، ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان ، بقوله « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » لذلك عليك بالنصيحة على الإطلاق ، فإنها الدين ، خرج مسلم في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال [ الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول اللّه ؟ قال : للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] واعلم أن النصاح الخيط ، والمنصحة الإبرة ، والناصح الخائط . والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو ما كان ، فينتفع به بتأليفه إياها ، وما ألفه إلا بنصحه . والناصح في دين اللّه ، هو الذي يؤلف بين عباد اللّه وبين ما فيه سعادتهم عند اللّه ، ويؤلف بين اللّه وبين خلقه ، وهو قوله : النصيحة للّه ، وفيه تنبيه في الشفاعة عند اللّه إذا رأى العبد الناصح أن اللّه يريد مؤاخذة العبد على جريمته ، فيقول للّه : يا رب إنك ندبت إلى العفو عن عبادك ، وجعلت ذلك من مكارم الأخلاق ، وهو أولى من جزاء المسئ بما يسوءه ؛ وذكرت للعبد أن أجر العافين عن الناس فيما أساءوا إليهم فيه ، مما توجهت عليهم به الحقوق ، على اللّه ؛ فأنت أحق بهذه الصفة لما أنت عليه من الجود ، والكرم ، والامتنان ، ولا مكره لك ؛ فأنت أهل العفو والتكرم والتجاوز عن هذا العبد المسئ المتعدي حدودك عن إساءته ، وإسبال ذيل الكرم عليه ؛ وأما النصيحة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففي زمانه إذا رأى منه الصاحب أمرا قد قرر خلافه - والإنسان صاحب غفلات - فينبّه الصاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ، مثل سهوه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصلاة ، ولهذا أمر اللّه عزّ وجل نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم